محمد أبو زهرة
30
المعجزة الكبرى القرآن
عنه ، حتى لقد فهم بعض العلماء أن جمع عثمان كان نسخا لما جاء في الصحف المحفوظة عند أم المؤمنين حفصة رضى اللّه عنها وعن أبيها الفاروق ، وجاء ذكر ذلك في بعض الروايات تسامحا ، ولكن الحقيقة أنه ما كان نسخا ، بل قام بالتحريات كلها ، حتى جمع ما جمع ، وكان التوافق الكامل الذي يدل دلالة قاطعة على صدق الجمعين ، وعلى تواتر القرآن الكريم مكتوبا ومحفوظا ، وبذلك حفظه اللّه تعالى وصانه . ولقد قال الطبري أن الصحف التي كانت عند حفصة جعلت إماما في هذا الجمع الأخير ، ويقول القرطبي : « هذا صحيح » ومعنى صحته أنه بعد الجمع الذي قام به زيد بأمر عثمان ، وعاونه المؤمنون الحافظون قد روجع على مصحف حفصة رضى اللّه عنها ، وكانت هي المقياس لصحته ، فبالمقابلة بينهما بعد الجمع تبينت صحتهما بصفة قاطعة لا ريب فيها ، فكانت هذه الإمامة ، حتى ظن أنه نسخ منها . 16 - ويلاحظ أمران : أولهما : أن عثمان رضى اللّه عنه كان غرضه من إعادة جمع المصحف هو أن يكتبه على حرف واحد من الحروف السبعة ، أي اللهجات واللغات السبع ، فما كان جمعه إلا لإثبات الحرف الباقي الذي روى مكتوبا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ليجتمع عليه المسلمون ، ولا يكونوا متفرقين ، أن يكون ذلك موافقا للمكتوب في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم . جاء في القرطبي « قال كثير من علمائنا كالداودى ، وابن أبي صفرة : هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها ، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة ، وهو الذي جمع عليه عثمان ، ذكره ابن النحاس وغيره » . الأمر الثاني : أن عثمان رضى اللّه تبارك وتعالى عنه حسم مادة الفتنة بذلك الجمع ، وعمل ما كان ينبغي أن يعمل ، ولذلك نسخ من هذا الذي جمعه نسخا على قدر الأقاليم العربية ، فأرسل إلى كل إقليم نسخة كانت هي الأصل لهذا الإقليم ، فأرسل إلى مصر ، وإلى الشام ، وإلى مكة واليمن والبحرين والبصرة ، والكوفة ، وحبس بالمدينة مصحفا كان هو الإمام لكل هذه النسخ ، وهو المرجع الأول في الدولة ، ترجع إليه كل المصاحف ، وهو الحاكم عليها . وإذا كان هو الأصل لكل هذه المصاحف فيجب القول بأنه لا اختلاف بينها لأنه الحكم ، وأنها صور لنسخة واحدة ، ويلاحظ أن الإمام العظيم عثمان قد كتب المصحف خاليا من النقط والشكل ، كما كان المصحف الموجود عند حفصة خاليا من النقط والشكل ، ولم يكن نقط وشكل إلا بعد ذلك .